Hommage Rabia Djelti

Hommage   Rabia Djelti



 

يوميات

ربيعة جلطي

 

باريس تتراجع جهة ضجيجها، بينما القطار يئن صعودا نحو الشمال. لربما هو يدندن أغنية لإديث بياف في اندفاعه المجنون نحو النورماندي. أقلعت الطائرة بي باكرا من الجزائر. هو يوم أطول من ساعاته، لكن السفر حالة غير استثنائية. الترحال قدر المثقف العربي، فلا هو في حالة حرب ولا هو في حالة سلم، السفر بيته المؤثث بممتلكاته العتيقة، لعل أهمها وقته. كمن يحاول أن يجري بينما ركبتاه تغوصان في الماء. قدره البطء الخطو إلى الوراء.
هذا الصباح في مقهى محطة سان لازار الكبرى للقطارات أنهيت كتاب "اغتصاب المخيال" لأميناتا تراوري. كتاب جريء وشجاع إلاّ أنه مشوب بغضب مرّ بسبب تكرار الإجهاضات التي تعانيها أحلام شعوب إفريقيا الواقعة بين كماشة ثراء الأرض وفقر أهلها... تحت سحابة سوداء منذرة بشرّ يدعى العولمة: آه إفريقيا الغنية الفقيرة... إفريقيا القيد الثقيل في كعب الكرة الأرضية.
حكمة إفريقيا أجهضها الغرب منذ خمسة قرون. حكمة نابعة من فلسفة ثقافاتها القديمة، قدم دبيب الإنسان فوقها: "كل شيء، متصل، كل شيء حي، كل شيء مستقل"، فإذا لم يعد الغرب في حاجة إلى العبيد، فهو في حاجة ماسة إلى انقراضهم. الخبز نادر والسلاح وافر. فليقتتلوا، وليخلوا سبيل الأرض الولود.
يلتحق بعض المتأخرين والعشاق بالقطار، بعد الصفارة التقليدية تغلق الأبواب أوتوماتيكيا، تتحرك الأيدي والقلوب بتلويحة الوداع، ونتحرك نحو الشمال... نحو النورماندي.
أحمل بين يدي كتاب ثرفانتيس "دون كيخوته دي لامانشا"، بلغته الأصلية الإسبانية. إنها المرة الثانية أقع في غواية قراءته.
- ألأن للغة أسرارها، ومواطن الفتنة فيها، أم هي فرادة الكتاب؟ أم هو إرث الأندلس الثقيل؟
من العبث أن تنام، أو أن تطالع، أو تتلهى بشيء ما وأنت في طريقك إلى النورماندي بالقطار، وفي وضح النهار. من قال إن الوقت هو الوقت نفسه، ومن قال إن الساعة بستين دقيقة هي هي، في مكتب رمادي بمؤسسة حكومية عربية، بوزارة مخشبة، يابسة تمنحها ما استطعت من دمك وعصارة فكرك لكنها تظل كاذبة الحمل، تقرفك ببهرجتها ونتانتها فتكتب استقالتك خشية أن يتسرب إلى عروقك الدود. نعم، على العالم أن يضبط ساعاته على نهار آخر، يلعلع الحلم فيه مثلما يلعلع قطار في أصقاع الدنيا تحت المطر، يدفع نحو جانبيه وخلفه الأشجار وبيوتا مثل اللعب والأنهار والأبقار والسيول والخيول والحقول حتى النورماندي. ليس الوقت الوقت، والوقت ليسه.
الآن، والقطار يتسلق صدر الدنيا، لماذا أفكر في مالك حداد وأندره مالرو وابن مقلة؟ لماذا أفكر في سعدي يوسف وتباغتني الدمعة؟ لماذا جاء في هذا الزمن القبيح؟ لماذا كان؟ ولم يكن السياب أكثر منه حظا.
ثم لماذا أفكر في العشرات من أصدقائي الشعراء العرب مغربا ومشرقا؟ لماذا أتوا في غير وقتهم هذا، المقيح، القبيح، العقيم، المهزلة، المزبلة؟ ما الذي كان في إمكانهم فعله ولو عدّوا بالمئات؟ ماذا تفيد مئات أو ألوف الزهور النادرة العطرة في مزبلة بهذا الحجم؟
المثقف العربي حالة من الإحباط: تمزق، حروب باردة حامية، مواجهة الترويج للقبح والكذب، خرق الدساتير، احتقار العقل، وتمزق. ليس للمثقف العربي صوت خارج الجوقة، فإذا ما احتفل به السلطان فهو الدليل على أنه ذليل، وإذا ما ركب رأسه قليلا قطع. كلما شممت رائحة تفاؤل ضئيل ازداد الحكام فردانية وتجبرا، وازدادت الشعوب صمتا ينذر بما لا تحمد عقباه.
صديقاي الكاتبة والفنانة التشكيلية دانييل وزوجها الطبيب أندره في انتظاري. إنهما مثقفان نبيهان من اليسار، مناصران شرسان لثورات التحرر في العالم.
دائما أوقّت وصولي باكرا إلى النورماندي لأذهب للتو لمشاهدة بحر المانش. أحب هذا اليم، إنه صديقي الحميم أنا ابنة البحر الأبيض المتوسط.
إنها الساعة الخامسة. الصمت مطبق، ومنه تندلع أصوات أكاد أسمعها، أصوات أناس جاؤوا مجندين خلال الحرب العالمية الثانية، دفاعا عن حق الآخرين في الحرية. أتوا من المغرب العربي ومن أميركا ومن جنسيات أخرى، وقوفا في وجه طغيان هتلر والنازية. من بينهم شاب وسيم هو شقيق جدتي اسمه إبرهيم مسلم، مجند هو الآخر أيقظ طفولتي بحكاياتهم الخارقة. لا مقابر لهم، ربما لا أسماء، لكن أصواتهم تناغي بحر المانش نهارا وليلا، مدا وجزرا، وانكساراً وانتصارا. كانوا بموتهم الموقت يقتلون الموت الدائم، في معانقتهم فكرة الدفاع عن الآخر.
وسط الرمل يرتفع تمثال برونزي، أسودّ من رطوبة البحر: الجندي المجهول. وضعته صديقتي الفنانة الكبيرة إيفون قيقون، رحلت قبل سنة، بعدما عمّرت طويلا، لكن أعجوبتها الجميلة لا تزال تقول للبحر:
- يسقط القهر يسقط الظلم.
فيجيبها البحر: يسقط الظلم يسقط القهر.
قلت لصديقيّ دانييل وأندره: لو أن العرب المسلمين الفاتحين وصلوا إلى هنا لكانت الأندلس أندلسين.
الليل هنا لا يخدع بل ينحني عليك على مهل. تأتلف مع السواد، تتهيأ له بما تملك من مصابيح، من زجاج أو نشيد. كأنما الليل والنهار يأخذ أحدهما بيد الآخر، وينظر في عمق عيني الآخر. يبتعد الليل رويدا رويدا في نعومة عن النهار، يتوادعان بوداعة.
الأمر عندنا مختلف. يسقط الليل فوق رؤوسنا، على غفلة، مثل جثة هامدة. نضيّع أنفسنا في سواده ونضيع في الآخر. كلما أدار الليل ظهره للنهار، عاجله بخنجر في الظهر. وكلما أدار النهار ظهره لليل، دسّ في جيوبه قنابل. ونحن، تحت الجثث السوداء والبيضاء على السواء.
أفهم الآن لماذا اختار الشاعر المثقف وأول رئيس للسنغال وعضو الأكاديمية الفرنسية ليوبولد سيدار سنغور، إقامته وموته وخفق جناحيه في النورماندي، بعدما ترك السلطة. اختار السواد الذي لا يخدع نهاره، والبياض الذي لا يخدع ليله.
في البعد سفينة كأنما تعلو. يقهقه لك الماء، ويسرّ إليك أن الله قريب منك وأن الناس خلقوا سواسية، وأن السياسة بالكاد شغل قطّاع الطرق، وأن الكتابة تجنيح وأن الناس نيام.
أدخل الآن مدينة كاون، المفضلة لدى صديقي الكبير عبد اللطيف اللعبي. كل عام يأتيها لقراءة أشعاره. في هذه المدينة التقيت المفكر والفيلسوف جاك دريدا وتشرفت بالجلوس إلى جانبه في ندوة مشتركة، ثم في ندوة على القناة التلفزيونية الفرنسية الثالثة. أذكر أن جائزة البوريال للرواية في دول الشمال، سُلّمت في هذه المدينة الى الأديب جون ريال، وفيها شاركت إلى جانب صاحب جائزة نوبل للآداب وولي شوينكا الرائع في ندوة حول اللغة، وتعرفت فيها الى جمال الدين بن الشيخ والى شعراء وكتّاب كثر في معارض للكتاب وفي ندوات.
بعد قليل سينتصف الليل في النورماندي ولم ينل مني التعب قسطه بعد. هي النورماندي التي صقلت حكمتها فكر أندره موروا. هذا اعترف به. هي النورماندي التي اجتمع حول سحر مدفأتها بودلير وغي دو موباسان، ومونيه، والكونتيسة دو سيغور، وكورناي، وفلوبير، وفيكتور هوغو.
سأدخل نهارا آخر من دون أن أستأذن حراس حدود الوقت وعسسه. هذا النهار سيجمعني بعضه ببعض محبي الشعر، الساعة الرابعة، في إحدى قاعات المسرح البلدي. وفي انتظار ذلك أفتح الآن رواية "دون كيخوته دي لامنتشا" وأقرأ
: "

شاعرة جزائري *    


 




16/03/2008
3 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 8 autres membres